الجصاص

113

أحكام القرآن

والكفار على اخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ، وأخبر أنهم بدأوا بالغدر ونكث العهد وأمر بقتالهم بقوله : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) . وجائز أن يكون جميع ذلك مرتبا على قوله : ( وإن نكثوا أيمانهم بعد عهدهم ) ، وجائز أن يكون قد كانوا نقضوا العهد بقوله : ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) . قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) فإن معناه : أم حسبتم أن تتركوا ولم تجاهدوا ، لأنهم إذا جاهدوا علم الله ذلك منهم ، فأطلق اسم العلم وأراد به قيامهم بفرض الجهاد حتى يعلم الله وجود ذلك منهم . مطلب : في حجة الاجماع وقوله : ( ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) يقتضي لزوم اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم كما يلزم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه دليل على لزوم حجة الاجماع ، وهو كقوله : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ) [ النساء : 115 ] . والوليجة المدخل ، يقال : ولج إذا دخل ، كأنه قال : لا يجوز أن يكون له مدخل غير مدخل المؤمنين . ويقال إن الوليجة بمعنى الدخيلة والبطانة ، وهي من المداخلة والمخالطة والمؤانسة ، فإن كان المعنى هذا فقد دل على النهي عن مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم وترك الاستعانة بهم في أمور الدين كما قال : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) [ آل عمران : 118 ] . قوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) . عمارة المسجد تكون بمعنيين ، أحدهما : زيارته والكون فيه ، والآخر : ببنائه وتجديد ما استرم منه ، وذلك لأنه يقال : اعتمر ، إذا زار ، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت ، وفلان من عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والكون فيها ، وفلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه له . فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد ومن بنائها وتولي مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ) . فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم وإكرامهم ، وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك ، إلا أنه قد أمر مع ذلك بالإحسان إلى الأب الكافر وصحبته بالمعروف